من الحق أن يقال إن دعاوي فكرة الحياد أو الانعزالية تطرح بشكل برجماتي كخيار استراتيجي للدول الساعية إلى تجنب التورط في صراعات إقليمية ودولية ، غير أن تطبيق هذا النموذج على دولة مثل مصر يثير تساؤلات جوهرية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، ودورها التاريخي، وتشابك مصالحها الإقليمية والدولية. تهدف هذه الدراسة إلى تقييم مدى إمكانية تبني مصر لسياسة حياد أو انعزالية، واستكشاف البدائل الواقعية.
فإذا نظرنا إلي محددات الموقع والدور في الحالة المصرية ، فلا يمكن إغفال أثر الموقع الجيوسياسي حيث أن مصر تتمتع بموقع فريد يجعلها في قلب التفاعلات الدولية، والإقليمية سواء شاءت أم أبت ، فهي تشرف على قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية ، كما أنها حلقة وصل جغرافية هامة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، كذلك تظل علي مقربة لصيقة من بؤر توتر مزمنة (فلسطين، ليبيا، السودان ، البحر الأحمر، والخليج العربي ) .
هذا الموقع يجعل “الحياد الكامل” بمفهومه القانوني صعبًا، لأن أي اضطراب إقليمي ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري.
وإذا نظرنا إلي مصر المعاصرة منذ منتصف القرن العشرين وحتي الآن نجد أن مصر تبنت أدوارًا إقليمية نشطة ، ففي عهد جمال عبد الناصر، كانت مصر محورًا لحركة حركة عدم الانحياز ، وداعمة لحركات التحرر من الإستعمار ، كما أنها انخرطت في صراعات كبرى مثل حرب 1967، وحرب الإستنزاف، وحرب 1973.
وهذا الإرث يجعل من الصعب عليها التحول إلى دولة “محايدة” بالمعنى التقليدي.
أن مصر لا تستطيع اتخاذ الحياد الكلاسيكي (النموذج السويسري) ، لأنه يقوم علي: عزلة جغرافية نسبية ، وقبول دولي بحيادها ، وعدم الانخراط في صراعات إقليمية مباشرة .
أما في الحالة المصرية فأن الجغرافيا مفتوحة وليست عازلة ، والتهديدات قريبة ومباشرة ، كما أن هناك التزامات أمنية وسياسية متعددة تتحملها مصر وفقاً لمفهومها في الأمن القومي ... أي أن الحياد الكلاسيكي غير قابل للتطبيق.
ومن الناحية الأخرى، فإن الحياد القانوني وفق اتفاقيات لاهاي، والذي يمكن للدولة قانوناً من الامتناع عن المشاركة في النزاعات، ويحظر علي الدول الأخرى إنتهاك ذلك الحياد ، يصعب تحقيقه في حالة مصر ، حتي ولو اقتضت الظروف من مصر اللجوء إليه ، لأنه بإختصار: مصر طرف في منظومة الأمم المتحدة ، وتشارك في عمليات حفظ السلام وترتبط باتفاقيات أمنية إقليمية ... أي أن الحياد القانوني الكامل غير عملي، لكن يمكن تطبيق حياد جزئي وفقاً لظروف محددة تتيح ذلك .
أن ما تطبقه مصر عملياً هو أنها بدلًا من الحياد أو الانعزالية، تتبع مصر فيما يبدو نموذجًا يمكن تسميته:"الإشتباك الانتقائي” Selective Engagement يقوم على تجنب التورط العسكري المباشر إلا عند الضرورة ، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع قوى دولية متعددة ، ومحاولة لعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية ، الوساطة في القضية الفلسطينية ، وبذل جهود دبلوماسية في إدارة التوازن بين الولايات المتحدة وروسيا والصين ، والإشتباك المحدود في أزمات مثل ليبيا والسودان ، وهو نموذج يقترب من روح حركة عدم الانحياز ولكن بصيغة أكثر براجماتية.
إلا أنه ينبغي ملاحظة أن هذا الإختيار يواجه بتحديات متعددة ، فعلي المستوي الدولي ، يتزايد الإستقطاب بين القوي الكبرى ، وقد يصعب دائماً الحفاظ علي توازن دائم بينهما ، وعلي المستوي الإقليمي تفرض تحديات الإرهاب ، والنزاعات الحدودية ، وأمن البحر الأحمر ، ومسؤوليات مصر تجاه أمن الإقليم وفي القلب منه الأمن العربي في مواجهة تصاعد العدوان الصهيوني ، فضلاً عن أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يفرض الترابط مع الاقتصاد العالمي ، والحاجة للاستثمارات والتحالفات .
أن صانع القرار المصري يجد نفسه أمام واحد من سيناريوهات المستقبل التالية :
السيناريو الأول: الانعزالية
وهو كما أوضحنا في مقالات سابقة ، خيارغير واقعي ، يؤدي إلى تراجع الدور الإقليمي لمصر ، كما أنه لا يوفر الحماية الكافية للأمن القومي المصري .
السيناريو الثاني: الإشتباك الكامل
وهو قد يؤدي إلي زيادة النفوذ بلا شك ، لكنه يرفع التكلفة والمخاطر إلي حد لا تحتمله الظروف الموضوعية الحالية لمصر .
السيناريو الثالث (الأرجح): التوازن الذكي
وهو ذلك الخيار الذي يتيح استمرار الإشتباك الانتقائي ( محدود المخاطر ، قليل التكلفة ) ، ويعزز الاستقلال الاستراتيجي ، ويحقق تنويع الشراكات الدولية بالمناورة الدبلوماسية الذكية .
وفي الختام يمكن القول إن مصر لا تملك ترف أن تكون “سويسرا الشرق الأوسط” ، لكنها لا ينبغي أن تكون مشتبكة بشكل مفرط ، وإنما يكون عليها دائماً إدارة التوازن بين الدور المفترض لها ، والقيود العملية علي ذلك الدور ، أي مرة أخري الإشتباك فقط حين تقتضي المصلحة العليا ذلك ( أعلي درجات الخطر ) ، والامتناع حين تكون الكلفة أعلى من العائد ، أو تهدد الوجود الوطني .
يتضح مما حاولناه في المقالات السابقة أن الحياد أو الانعزالية ليسا خيارين واقعيين لمصر في ظل موقعها الجيوسياسي ودورها الإقليمي. غير أن مصر نجحت فيما يبدو نسبيًا في تطوير نموذج خاص يقوم على الإشتباك الانتقائي، بما يحقق توازنًا بين حماية الأمن القومي وتجنب التورط المفرط. ويظل التحدي الرئيسي هو الحفاظ على هذا التوازن في بيئة دولية تتسم بتزايد الاستقطاب والتعقيد.
أي وبإختصار نرجو ألا يكون مخلاً : " نعم .. لمصر أولاً ، إذا كان ذلك مفهوماً في إطار إستراتيجي يحمي مكانتها ودورها في الإقليم، دون تورط سابق لأوانه أو غير محسوب في تكاليفه "، و "لا.. لانعزال ، يهدد بالفعل الأمن القومي المصري، لأنه يعني إنتقاص من وزن ودور مصر المحفوظ عبر التاريخ " .
------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق






